ابن عربي
52
مجموعه رسائل ابن عربي
يمكنه ، فليقتصر على اليسير منه « 1 » ويكون في الخلوات ، أو مع من لا يحتشمه ، ويتجنب مجالس المجاهرين بالشراب والسكر ، والخلاعة ، ولا يظن أنه إن حضر تلك المجالس ، واقتصر على اليسير من الشراب : لم يستضر به ، فإن هذا غلط « 2 » . وذلك أن من حضر مجالس الشراب ، ليس تنقاد له نفسه إلى القناعة بيسير الشراب ، بل إن حضر مجالس الشراب ، وكان في غاية العفة ، تاركا للشراب ، متمسكا بالورع ، حملته شهوته على التشبه بأهل المجلس ، وتاقت نفسه إلى الفعل لما هو أكثر من ذلك ، وتهتك بعد الستر والصيانة . فسيمة أحوال من طلب العفة : عدم حضور مجالس الشراب ومخالطة أهلها والاستكثار من معاشرتهم . وينبغي : لمن أراد قمع نفسه الشهوانية أن يقل من استماع السماع ، وخاصة النسوان والشابات منهن ، المتصنعات ، فإن للسماع قوة عظيمة في إثارة الشهوة ، فإذا انضاف إلى ذلك : أن تكون المسمعة مشتهاة متعلمة « 3 » لاستمالة العيون إليها : اجتمع على السماع حوادث كثيرة ، فربما لم يستطع دفع جميعها عن نفسه ، والأولى لمن هم بقهر الشهوة : أن يتجنب السماع ، وإن لم يكن منه بد ، ولم تستجب نفسه إلى هجره بالكلية ، فليقتصر على استماعه من الرجال ، ومن لا مطمع للشهوة فيه ، والإقلال منه خير وأصون للمتعفف . فأما الطعام ، فينبغي أن يعلم أن غايته هو : الشبع ، لدفع ألم الجوع ، فخير الطعام وردية جميعا مشبعان ، فليس للمبالغة في تجويد الطعام كبير حظ .
--> ( 1 ) استدراجا لنفسه ، حتى تنتهي بالمرة ، وفي كلامه بعد إشارة إلى ذلك أنظر ص 55 . ( 2 ) أي إن الخمر ولو قليلة فيها الخطر ولا بد . ( 3 ) طرق الضرب والإيقاع .